صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
331
تفسير القرآن الكريم
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ 3 / 23 ] استنكف عن النصيحة ومنعته الأنفة وأخذته العزّة التي زعمتها ثابتة لنفسه ، لأجل كونه مغرورا باللّه تعالى ، معتقدا أنه من العلماء ، وأنه اللائق بالاقتداء والحريّ بأن ينصب في مقام النصح والإرشاد لغيره ، لا أن غيره يرشده ، فيغتاظ من هذا . ولم يعلم أن ما يعلمه - من غير جهته التي وليّها ( ولى - ظ ) أهل الحق وجوههم شطرها وطريقة المستقيم الذي سلكه العلماء باللّه والأتقياء - ليس له طائل ولا يؤدّي إلى حاصل ، بل يكون بذر النفاق واللداد ومنبت الكبر والعناد ، وسيلعب به الشكوك حيرانا وفات منه الكمال واستعداد تحصيله جميعا ، وخسر دنياه وأخراه رأسا ويصير من الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [ 18 / 104 ] وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ [ 3 / 24 ] . فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ من مزرعة الدنيا - إما من الدرجات العلى أو الدركات السفلى وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بوضعهم في غير موضعهم بأن ينزل الجاهل الشرير في موضع العالم التحرير ويسكن أهل الدركات في الدرجات ، وأهل الدرجات في الدركات ، كما في هذه الدار ، لأنها دار اشتباه بخلاف اليوم الآخر لا ظُلْمَ الْيَوْمَ لأنه يَوْمُ الْفَصْلِ باعتبار وإن كان يَوْمَ الْجَمْعِ باعتبار آخر . ومنها ما وصفهم اللّه تعالى بقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ الآية [ 31 / 21 ] الإشارة فيه أنه لا عبرة في أمر الدين بتقليد المشايخ السابقين والآباء الماضين واتّباع مذهبهم ، بل الواجب على العبد اتّباع ما أنزل اللّه إليه بصدق النيّة في السّعي والطلب ، وخلوص الطويّة في الاجتهاد والعمل